المنجي بوسنينة
59
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ثم ذهب إلى مصر وتعلم بها . وكان الشيخ عبد الرحمن العيدروس أكبر شيوخه هو الذي رغبه فيها . دخل مصر سنة 1167 ه وتنقل بها شمالا وجنوبا ، وأخذ عن شيوخ كثيرين كثيرا من العلوم ، وسكن بخان الصاغة ، وحضر دروس الشيوخ مثل الجوهري والبليدي والحفني ، وسافر في الأقطار المصرية ، وسمع من علمائها الممتازين . وتنقل أيضا في فلسطين . وعلا صيته وبزغ اسمه حتى طلبه السلطان العثماني في سنة 1194 ه / 1780 م ، ولكنه لم يغادر مصر ، وكاتبه ملوك النواحي وكثرت عليه الوفود واستجازه السلطان عبد الحميد الأول فأجازه بكتب الحديث كما كتب الإجازة إلى محمد باشا راغب صدر الوزارة ونظام الملك وكثيرين من العلماء في غزة ودمشق وحلب وأذربيجان وديار بكر ومدراس والرباط وغيرها من البلاد . وأمّه الناس من كل مكان فاختار العزلة والاعتكاف . تزوج من مصر سنة 1182 ه على الأرجح . واستقر في حي « عطفة الغسال » حيث أقام حلقة الدرس في مسجد من مساجد الناحية وبدأ فيه محاضراته اليومية حول كتاب « القاموس » للفيروزابادي أمام الطلاب يستند فيها إلى كتب اللغات القيمة . واستغرقت دراسته هذه في اللغة طوال أربع عشرة سنة ، فكثر عدد تلاميذه في اللغة والأدب وبينهم الأمراء والأعيان والعلماء والشيوخ ، فكانوا يهدونه هدايا ثمينة وتبرعات كثيرة حتى صار غنيا . وكان السيد مرتضى ذكي الفؤاد قوي الذاكرة مستحضرا للنوادر والأسانيد ، عيناه تتوقدان بالذكاء كأنهما جذوتان متوقدتان ، وكانت أفئدة الناس تهوى إليه إذا تكلم أو تبسم ، وقد انتقل السيد مرتضى إلى سكنه الجديد بسويقة اللالاء . وكان يحب زوجته واسمها زبيدة حبا شديدا فلما ماتت سنة 1196 ه حزن عليها أشد الحزن ودفنها عند ضريح السيدة رقية . وبنى على قبرها مقصورة ، ولازم قبرها أياما يجتمع عنده الناس ينشدون ويقرؤون ، ثم اشترى بالقرب منه قطعة أرض بنى عليها منزلا صغيرا وأسكن به أمها وكان يبيت فيه كثيرا وأغلب ظني أنه عرف بالزبيدي نسبة إلى زوجته لا إلى زبيد باليمن كما قيل . تزوج مرة ثانية لكنه بقي مع زوجته الأولى بروحه حتى مات بالطاعون في مصر يوم الأحد من شعبان 1205 ه / ابريل 1791 م ودفن بجوار زوجته الأولى التي كان يحبها حبا جما ، وكان قد شيد على قبرها قبة ضخمة وزينها بالفروش والستائر الثمينة الجميلة ، وكان يرثيها ما دام حيا ويقول : سأبكي عليها ما حييت وإن أمت * ستبكي عظامي والأضالع في قبري واستولت زوجته الثانية على كل ما عنده إرثا إذ لم ينجب منها ولا من الأولى . وكان السيد مرتضى غزير العلم كثير الآثار متقنا للغات الفارسية والتركية والفقه والكلام . وأشهر آثاره « تاج العروس » ، وهو كما نعلم شرح القاموس لقاضي زبيد باليمن الفيروز أبادي ( ت 817 ه / 1414 م ) ، وصار « تاج العروس » للزبيدي ذريعة لصيته الذائع في البلدان الإسلامية وازدحم عليه العلماء والطلاب والأمراء والأكابر والأعيان للأخذ والاستفادة حتى بدأ يعيش عيش الأمراء المترفين ، فلبس الملابس الفاخرة ، وركب الخيول المسوّمة . وكان ينفرد بلباسه وزيّه بين العلماء المصريين ، ويعتمّ مثل أهل مكة